كشفت دراسة جديدة نُشرت في مجلة نيتشر فود”nature food” أن أكثر من نصف الأراضي الزراعية في العالم قد تشهد انخفاضاً في عدد المحاصيل المناسبة للزراعة في ظل سيناريوهات التغير المناخي المتعددة. وتسلط الدراسة، التي تفحص آثار التغير المُناخي على 30 محصولاً رئيسياً، الضوء على تحولات كبيرة في الجدوى الزراعية في جميع أنحاء العالم.
تأثير الاحتباس الحراري على جودة التربة
تتوقع الدراسة تغيرات في ملاءمة الأراضي الزراعية ضمن أربعة سيناريوهات للاحتباس الحراري، تتراوح من 1.5 درجة مئوية إلى 4 درجات مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. وحتى مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية بمقدار 1.5 درجة مئوية، فإن أكثر من نصف المحاصيل التي تمت دراستها ستشهد خسارة صافية في الأراضي الزراعية المناسبة مقارنة بالظروف الحالية.
ومن المتوقع أن تعاني المناطق الاستوائية الانخفاض الأكبر في تنوع المحاصيل، في حين أن المناطق الأبعد عن خط الاستواء قد تشهد زيادة في محاصيل أخرى، مما يقدم تحديات وفرص على حد سواء للتكيف الزراعي.
تقلص المناطق “الآمنة” للزراعة
يلعب تنوع المحاصيل دوراً حاسماً في الأمن الغذائي من خلال تزويد المزارعين بخيارات يمكن أن تصمد أمام الظواهر المناخية المتطرفة، مثل الجفاف. ولتقييم كيفية تأثير تغير المناخ على المحاصيل المستقبلية، حدد الباحثون “مساحة مناخية آمنة” – نطاق درجات الحرارة والأمطار وظروف الجفاف التي يمكن أن يزدهر فيها كل محصول.
ومن خلال رسم خرائط للظروف المناخية الحالية لهذه المحاصيل الثلاثين وتوقع كيفية تغيرها في ظل سيناريوهات الاحترار المختلفة، تكشف الدراسة أنه في السيناريو الذي يتجاوز 2 درجة مئوية، تصبح خسارة الأراضي الزراعية المناسبة شديدة. وتعد بعض المحاصيل الأساسية، بما في ذلك القمح والشعير وفول الصويا والعدس والبطاطا، من بين المحاصيل الأكثر تضرراً. أما عند سيناريو 3 درجات مئوية، ستشهد جميع المحاصيل الثلاثين التي تم تحليلها انخفاضاً في مساحة الأراضي الزراعية المناسبة، مع تراجع يتجاوز في بعض الحالات 50%.
عواقب غير متكافئة حول العالم
تؤكد الدراسة على التوزيع غير المتساوي لتأثيرات تغير المناخ على الزراعة. فالمناطق القريبة من خط الاستواء – مثل أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا – تواجه أشد الانخفاضات في تنوع المحاصيل، حيث تفقد أكثر من 70% من الأراضي الزراعية ملاءمتها لمحاصيل متعددة إذا تجاوز الاحتباس الحراري 2 درجة مئوية.
وعلى العكس من ذلك، قد تستفيد المناطق الأبعد عن خط الاستواء، بما في ذلك أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية، من زيادة تنوع المحاصيل، حيث تكتسب أكثر من نصف أراضيها الزراعية محاصيل جديدة قابلة للحياة في ظل سيناريوهات الاحتباس الحراري حتى 3 درجات مئوية. ومع ذلك، يحذر الباحثون من أن الاعتماد على المناطق المعتدلة لإنتاج الغذاء قد يزيد من انعدام الأمن الغذائي العالمي إذا عطلت الأحداث المناخية المتطرفة هذه المراكز الزراعية الجديدة.
استراتيجيات التكيف والحاجة إلى التعاون العالمي
بينما يهدد تغير المناخ النظم الزراعية القائمة، قد تشهد بعض المناطق فرصاً للتنويع. ويعد توسيع البحث بما يتجاوز المحاصيل الأساسية، مثل الذرة والقمح والأرز، أمراً بالغ الأهمية لفهم الآثار الكاملة لتغير المناخ على الأمن الغذائي العالمي.
وتؤكد المؤلفة الرئيسية في الدراسة سارة هايكونن، باحثة الدكتوراه في جامعة آلتو، على الحاجة إلى التعاون الدولي: “إن ضرورة عدم تجاوز سيناريو 2 درجة مئوية أمر ضروري لمنع التأثيرات الضارة على إنتاج الغذاء، خاصة في المناطق الاستوائية، حيث توجد بعض الدول الأكثر هشاشة في العالم. تعتمد شبكات الغذاء العالمية على استراتيجيات التكيف الاستباقية والدعم الدولي للمناطق الأكثر عرضة للخطر.”
ومع إعادة تشكيل تغير المناخ للمشهد الزراعي، ستكون الجهود العاجلة لتعزيز المرونة وتنويع المحاصيل وتنفيذ ممارسات زراعية مستدامة حاسمة في ضمان الأمن الغذائي العالمي في العقود القادمة.
المصدر: nature food
Image Credits: Canva Library