في خضم التحولات الاقتصادية والبيئية العالمية، يبرز دور المرأة كمحرك أساسي في قطاع الطاقة النظيفة، ذلك القطاع الاستراتيجي الذي يُشكّل عصب الاقتصاد المستدام. تتجاوز مساهمات النساء حدود المشاركة التقليدية، لتصبح قوة دافعة للابتكار والتغيير الإيجابي.
يمثل هذا التقرير – الذي أعده فريق سولارابيك – نافذةً موسعةً على تجارب نساء متميزات من مختلف أنحاء الشرق الأوسط والعالم، ممن يشغلن مناصب متنوعة في مجال الطاقة النظيفة. تكشف روايات هؤلاء النساء عن مسارات مهنية مليئة بالتحديات والإنجازات، حيث يعملن جنباً إلى جنب مع زملائهن الرجال لرسم معالم مستقبل مستدام للأجيال القادمة.
من خلال رؤى شخصية وتجارب متنوعة، يُسلط تقريرنا الضوء على أبرز التحديات التي تواجه المرأة إلى جانب الدور المحوري للمرأة في صياغة مستقبل الطاقة النظيفة، مؤكداً على أن التنوع والشمولية هما مفتاح الابتكار والتقدم في هذا القطاع الحيوي.
الخطوة الأولى: إثبات الوجود
تواجه المرأة عند دخولها قطاع الطاقة النظيفة تحديات عديدة فوفقاً لتقرير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة “المساواة بين الجنسين في قطاع الطاقة المتجددة” (2023)، تتمثل عوائق دخول المرأة لهذا القطاع بثلاثة تحديات وهي: المعايير المجتمعية والثقافية، الأدوار الجندرية وممارسات التوظيف السائدة.

وفي هذا السياق، تشارك سارة رجب من فلسطين، مستشارة الطاقة الشمسية والخبيرة في تدقيق الطاقة خطواتها الأولى في رحلتها وتقول: “كانت أكبر التحديات بالنسبة لي هو الدخول إلى قطاع يهيمن عليه الرجال وإثبات خبرتي التقنية في المشاريع رفيعة المستوى، إذ غالباً ما كنتُ المرأة الوحيدة في الاجتماعات والزيارات الميدانية ومناقشات صنع القرار، وكثيراً ما تم تجاهل مساهماتي التقنية أو التشكيك فيها بسبب التحيزات المسبقة لدى البعض.”
أما رالوكا بونا، الرئيسة التنفيذية للأعمال في شركة “ميمو سارل”، مشاركةً تجربتها: “كان أكبر تحدٍ لي هو كوني امرأة دون خلفية هندسية تقنية . أتذكر بعض المرات حينما تجاهلني العملاء تماماً مع وجود رجالٍ آخرين في الغرفة، مفترضين أنني لا أملك الإجابة، وحتى عندما تمكّنت من تقديم الإجابات، كان العملاء يتصلون بزملائي الرجال ليتحققوا من المعلومات المُقدّمة.”
وتضيف: “التعلم المستمر كان سبيلي الوحيد لتجاوز هذه العقبات. بدأت أطرح المزيد من الأسئلة لتعميق فهمي، و قضيت وقتاً أطول في مواقع العمل، وحضرت مئات الدورات والندوات. التعلّم رحلة لا تنتهي، خاصة في قطاع يتطور بسرعة.”
الغاية والهدف
للعديد من النساء، الطريق إلى وظائف الطاقة النظيفة ليس مجرد طموحٍ شخصيّ، بل أعمق بكثير، هو رسالة أكبر لخدمة الكوكب. حول ذلك تقول سارة:
“نبع إلهامي من شغف عميقٍ بالاستدامة وإدراك أهمية الطاقة المتجددة لمستقبل كوكبنا، خاصة في مناطق مثل فلسطين، حيث الاستقلال والأمن الطاقي ضروريان. كانت نقطة محوريّةً في رحلتي عندما اتخذت أحد أصعب القرارات بترك عائلتي مؤقتاً والسفر إلى ألمانيا لاكتساب الخبرة في مركز يوليش للأبحاث.”
أمّا رالوكا بونا فتضيف حول دافعها للدخول إلى قطاع الطاقة النظيفة : “كانت رحلتي مدفوعةً بشغفٍ عميقٍ بالاستدامة والابتكار والتمكين. مع خلفية متنوعة بدءاً من الإعلام وحتى العقارات، ولذا ومع تجاربي الثرية أدركت مبكراً أن هذا القطاع هو شريان النمو الاقتصادي والتقدّم العالمي.”
الموازنة بين الحياة الشخصية والعمل
يظلُّ تحقيق التوازن بين الطموحات المهنية والمسؤوليات الشخصية أحد أبرز التحديات التي تواجهها النساء في صناعة الطاقة. تؤكّد على ذلك سارة التي تلعب أدواراً عدة، فهي مستشارة في الطاقة و أيضاً أمٌّ ولعلّ من أصعب القرارات التي اتخذتها كان قرارها بالسفر والعمل خارج بلادها، بعيداً عن عائلتها.
تقول: “لم يكن الأمر سهلاً على الإطلاق، لكنه كان ضرورياً لتقدمي المهني، لكنني تغلبتُ على ذلك بالتركيز على أهدافي طويلة المدى والتماس الدعم من عائلتي وزملائي”
وتوجه رسالةً للنساء الأخريات: “الفرص متوافرة، خاصةً مع الاهتمام الحثيث الحالي في الصناعة بالتنوع. وأشجع جميع النساء على رؤية التحديات كتجارب وفرص للنمو والاستفادة من ذلك ببناء شبكة علاقات داعمة في الصناعة”.
الشمولية والعدالة والتنوع في بيئة العمل
تُشكّل النساء 32% من القوى العاملة في قطاع الطاقة المتجددة عالمياً حسب إحصائيات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، كما أشار تقريرٌ للبنك الدوليّ إلى أن النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يُمثلنَ نحو 40% من خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات(STEM)، لكن 17% فقط من هذه النسبة يَعملنَ في قطاع الطاقة النظيفة.
تعتبر مفاهيم مثل الشمولية والعدالة و التنوع ركائز أساسية في سبيل تحقيق التنمية الشاملة للمجتمعات والتي لن تتحقق إلا بدعم الهدفين الخامس والسابع من أهداف التنمية المستدامة: المساواة بين الجنسين وتوفير طاقة نظيفة للجميع.
وفي هذا السياق، ترى تانفي مانيانجهات، طالبة الماجستير و المتخصصة في الصحة والسلامة البيئية، أن التغيير الهادف يتطلب العمل على عدة أصعدة، وتقترح الخطوات التالية لتسريع زيادة شمول النساء في قطاع الطاقة النظيفة :
- زيادة الفرص: الجدارة والكفاءة وحدهما لا تضمنان مكاناً. يجب على الشركات خلق فرص جديدة للنساء بشكل استباقي.
- تنويع معايير الاختيار: يجب أن تعكس عمليات التوظيف استقطاب المواهب المتنوعة، لضمان تمثيل عادل.
- جعل متطلبات التوظيف واقعية: العديد من الوظائف تتطلب خبرة سابقة، مما يخلق عقبات إضافية أمام الخريجات الجدد.
- توفير المرونة: العمل من المكتب يعزز التواصل، لكن النساء غالباً ما يتعاملن مع أدوار متعددة خارج العمل. لذلك فإن توفير خيارات مرنة مثل العمل عن بعد سيعزز الإنتاجية.
الإرشاد والنمو المهني
لم تعد برامج الإرشاد، التدريب والتوجيه المهنيّ اليوم مجرد رفاهية، بل على العكس فقد أصبحت ضرورة أكثر من أي وقت مضى وبالأخص للمرأة ، والأرقام خير دليل على ذلك، إذ توفر هذه البرامج التوجيهَ والتغذية الراجعة وشبكة العلاقات والفرص التي تُساعد النساء على التقدم المهني. وينطبق هذا بشكل خاص على المجالات التي يهيمن عليها الرجال، وحسب دراسة أجراها معهد أنيتا بورغ، فإن 77% من النساء العاملات في مجال الهندسة التكنولوجيا، واللاتي يمتلكن مرشدين هنّ أكثر ميلاً للبقاء في هذا المجال بعد ثلاث سنوات مقارنةً بمن لا يمتلكن مرشدين.
وحول ذلك توضّح رالوكا : “يجب أن يبدأ الأمر بالتعليم – توفير حوافز وفرص للنساء لمتابعة تعليم العلوم والتكنولوجيا مع دمج موضوعات الطاقة النظيفة في المناهج. تنفيذ سياسات التنوع، المساواة في الأجور، وخلق مسارات للنساء للتقدم في الأدوار القيادية هي خطوات ضرورية.”
وأضافت أن علينا تغيير الروايات المجتمعية السائدة: “غالبًا ما تنبع الحواجز من مفاهيم قديمة مثل ‘يجب على المرأة’ أو ‘لا يمكن للمرأة’، مما يؤدي إلى اعتقاد خاطئ بأن النساء غير قادرات على أدوار معينة.
نعم تغيير هذه العقلية قد يستغرق وقتاً، لكن أكثر الطرق فعالية هي الإشادة بالنساء اللواتي كسرن هذه الحواجز.”
أمّا ملينا أحمد، مهندسة الطاقة المتجددة والمتدربة لدى سولارابيك، بادئةً للتو مسيرتها المهنية، تقول:
منذ البداية، تم تشجيعي على التعلم عن قطاع الطاقة الشمسية وتم تزويدي بفرص متعددة مثل الدورات التدريبية عبر الإنترنت، والندوات الإلكترونية، والإرشاد المباشر من القادة في الشركة، مما ساعدني على بناء قاعدة معرفية قوية. وعلى الرغم من دخولي إلى المجال بمعرفة محدودة، إلا أن بيئة العمل الداعمة وفرت لي مساحة للنمو والتعلم حتى وصلت إلى مستوى المعايير الصناعية. كما وتشارك فاطمة محسن زميلتها في التدريب تجربتها أيضاً: “خلال فترة تدريبي كمحللة أبحاث سوق في سولارابيك ، سنحت لي الفرصة للعمل على مشاريع هادفة تتعلق بقطاع الطاقة المتجددة. لم يقتصر الأمر على تعزيز مهاراتي التحليلية، بل ساعدني هذا التدريب أيضاً على تعميق فهمي لاتجاهات السوق، والسياسات، والتقنيات الناشئة في مجال الطاقة المتجددة”.
وتشير تانفي إلى أهمية طلب السعي والمشورة وتبادل الخبرات من الجميع في مكان العمل:
“لم يكن مرشدي امرأة، بل كان مديري السابق – رجل دفعني باستمرار للتعلم أكثر، ليس فقط بالتشجيع بل بالقيادة من خلال مثال. رغم نجاحه و المسؤوليات الكبيرة التي كانت على عاتقه، كان يخصص دائماً وقتاً لتحسين مهاراته، وهذه العقلية ألهمتني.”
الإشادة بإنجازات النساء
وأخيراً لا يمكن القول أن المرأة لم تتمكن من تثبيت أقدامها عالمياً في قطاع الطاقة النظيفة وتحقيق الكثير من الإنجازات، فمن وجهة نظر رالوكا هنالك الكثير من النماذج للنساء الشابات الصغيرات أو الأكبر سناً ممن حققن شوطاً واسعاً، ولكن قد تكمن الإشكالية أننا لا ندعمهن بما فيه الكفاية، ولا نتحدث عنهن كما ينبغي، أو نفشل أحياناً في تسليط الضوء على إنجازاتهن.
وتضيف: “لهذا السبب أطلقتُ جوائز المرأة في مجال الطاقة، ثم مبادرة “تمكينها”. لتسليط الضوء على النساء اللواتي يمتلكن قصصاً تستحق المشاركة، ويمتلكن تلك الروح القيادية الملهمة التي تجعلنا جميعاً نقول: “أنا أيضاً أستطيع فعل ذلك”.
تابعونا على لينكيد إن Linked-in لمعرفة كل جديد في مجال الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية…
نتمنى لكم يوماً مشمساً!
يستند هذا التقرير على مقابلات مع متخصصات في قطاع الطاقة النظيفة، بالاعتماد على تجاربهن الشخصية وتحدياتهن ورؤيتهن لصناعة أكثر شمولاً.